20‏/2‏/2011

"نيويورك تايمز" فى إمبابة


أنطونى شديد مراسل نيويورك تايمز

"لم تكن المهمة سهلة".. هى بضع كلمات تصف جولة صحفية لا تخلو من المفارقات الغريبة قام بها "اليوم السابع" المصرى والنيويورك تايمز الأمريكية بأحياء إمبابة التى شهدت أحداثاً ملتهبة فى فترة التسعينيات عندما كانت منبعاً للجماعات الإسلامية الأصولية لتطغى بها الآن المشاكل الحياتية اليومية على التعصب الدينى وتسودها آراء واتجاهات تطمح إلى مزيد من الحرية والديمقراطية مع "كسرة" خبز وكرامة إنسانية حملتها شعارات ثورة 25 يناير الفارقة فى حياة المصريين.


بدأت الجولة على مرحلتين قبل وبعد تنحى أو تخلى الرئيس السابق حسنى مبارك عن السلطة، وكان لذلك بالغ الأثر فى رصد المفارقات قبل وبعد نجاح ثورة الشباب.


كانت البداية قبل الخطاب الأخير للرئيس مبارك مع سائق التاكسى عم أسامة رمضان الذى كان يرى فى تظاهرات ميدان التحرير "وقف حال" وراءه "شوية عيال وناس فاضيه"، وبمناقشته حول مسئولية رب البيت عن أفراد أسرته فى ظل تزوير لا يكل ولا يمل للانتخابات وفشل فى إدارة الدولة أدى إلى الإحساس بالغربة داخل الوطن من موظف أو شرطى لا يراعى ضميره ولا يكفيه راتبه بضعة أيام ورشاوى ومحسوبيات وغلاء وغيرها من مظاهر العفن التى إن وجدت فى كل بلدان العالم كما يتشدق بعض المستفيدين والفاسدين فلنا أن نرى أيضا فى هذه البلدان صوراً مشرقة من فترات رئاسية محددة وقادة دول فى الأربعينيات من العمر، منهم من يعيش جدته فى أكواخ كينيا ومنهم مولود لعامل بسيط يصل إلى سدة الحكم دون وساطة أو كارت توصية، فما كان من السائق بعد حديث ليس بالقصير بسبب زحمة المرور سوى الإجابة بكلمتين "عندك حق".


وصلنا إلى إمبابة وبإحدى الحدائق على كورنيش النيل حاولنا الحديث لشخصين يظهر عليهما بساطة الحال وفقر المعيشة، إلا أنهما رفضا الحديث معنا وبدا عليهما حذر ممزوج بخوف استغرب له زميلى مراسل النيويورك تايمز ذو الجذور اللبنانية أنطونى شديد قائلا بلكنة عربية: "معقول لسه فيه خوف".


بعدها بدقائق تقابلنا وخمسة شباب تتراوح أعمارهم ما بين 17 إلى 20 عاماً، جميعهم سائقو "توك توك" اشتكوا جميعا من سوء معاملة الشرطة باحتقارهم وتلفيق القضايا لهم وغيرها من الممارسات التى تجعلهم يكرهون البلد واللى فيها، ولكن المفارقة الغريبة التى أثارت دهشتنا أنهم كانوا يؤيدون الرئيس مبارك إلى أقصى مدى ويرون أن الفساد يكمن فى الحكومة فقط إنما الريس "مظلوم ومايعرفش حاجة"، وأكدوا أنهم ذهبوا أكثر من مرة إلى ميدان التحرير ولكن ضد المتظاهرين.


توغلنا إلى قلب إمبابة بمنطقة البصراوى مع نصائح من عم أسامة بضرورة توخى الحذر لأن معظم أبناء المنطقة يؤيدون مبارك لا لشىء سوى لإيمان بعضهم بتاريخ الرجل الذى يكفل لهم حياة آمنة مطمئنة دون حروب ولأن المصريين لا ينكرون الجميل ويحترمون الكبير ولا يقبلون إهانته بأى شكل، وظهر ذلك بوضوح من آراء بعض الشباب من أصحاب المحلات التجارية منهم "مايكل حنا" (21 سنة) بمحل للحلويات و"سيد نبيل" (18 سنة) بمحل موبايلات، وأكدا تأييدهما للرئيس مبارك، وأن الفساد فى الشرطة التى تحكم البلد بقبضة من حديد، وعند سؤالهم عن اهتمامهم بالمشاركة فى الانتخابات والإدلاء بأصواتهم أكدا أنهما لا يهتمان لأن نتيجتها معروفة.


على إحدى النواصى قابلنا ثلاثة من الشباب لا يتجاوز عمر أكبرهم الثالثة والعشرين وكانت آراءهم مختلفة عن سابقيهم بدعمهم ثورة 25 يناير وأنهم يذهبون من حين لآخر للمشاركة فى المظاهرات رغبة فى الحرية والكرامة وفرص العمل التى تعتبر أهم مشكلات المنطقة، فضلاً عن القمامة التى تملأ الشوارع فى كل اتجاه.


وأكدوا على تراجع تأثير الجماعات الإسلامية التى اشتهرت بها إمبابة فى فترة التسعينيات وقت تنامى العمليات الإرهابية، إلا أنها تراجعت بعد المراجعات الفقهية والمساومات الأمنية وغيرها من الأحداث التى أبقت على بعض الجماعات دون تأثير كبير باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التى مازال نشاطها ملحوظاً، رغم عدم ميل غالبية الشباب بالمنطقة للانضمام للجماعة وتفضيلهم حياة الحرية، على حد وصفهم، وظهر ذلك بوضوح فى آراء بعضهم عند سؤالهم عن إمكانية تأييدهم للإخوان فى أى انتخابات مقبلة بالرد، بأنهم يحبون الحرية ولا يريدون قيوداً على حياتهم والدين والحساب لله.


وقال أحمد متولى (21 سنة)، إن أهم ما يفكر فيه شباب إمبابة الفلوس والزواج والشقة وفرصة عمل وسيختارون أى شخص يوفر لهم ذلك، أما الدين فلا يمثل لكثير منهم أى اهتمام، فى الوقت الذى يمثل فيه الإخوان المسلمين أكبر وأقوى تنظيم بالمنطقة، إلا أن تأثيرهم ليس كبيراً، مقارنة بتأثير الجماعات الإسلامية فى فترة التسعينيات، مشيرا إلى قصة الشيخ جابر بمنطقة "الشجرة" الذى كان "طبالا" فى الأفراح وتبناه الأمن ليكن رمزاً مشوهاً للجماعات الدينية فى صورة شبيهة بشخصية "ريشة" فى فيلم "دم الغزال" لوحيد حامد.


وأكد متولى أن إمبابة تعتبر منطقة مؤيدة لمبارك ويلقى أهلها دائما باللوم على الحكومة فى تدهور الأوضاع، كما أن الحكومة عندهم تعنى الشرطة، ونفى متولى أن يكون الإخوان من قادوا شباب إمبابة للثورة التى نادت بـ"الخبز والحرية والكرامة الإنسانية".


وفجأة جذبتنى إحدى السيدات تحمل طفلاً رضيعاً على ذراعيها وتوسلت أن أكتب عن قمع الأمن واحتجازهم شقيقها من حين لآخر دون ذنب وإبقائه بالحجز لأيام دون اتهام، وتجمع حولنا الأهالى كل يشكى مظلمته، وكانت فى معظمها بطالة وغلاء ورشاوى وأمن وإيجار وغيرها من المشكلات الحياتية حتى حدثنا شاب ملتح من الجماعة السنية عن فساد الحكومة والوزراء، مؤكداً دعمه للرئيس وجاء بعده ونحن على ذات الناصية ثلاثة شباب على وجوههم غضب حذر، متسائلين عن سبب حضورنا معلنين بحماس "لا نريد تدخل من أحد "والريس حبيبنا" ومش عايزين الجزيرة ولا غيرها اللى عملين يسخنوا المواضيع" واستطعنا الخروج بسلام بعد تأكيدنا لهم أننا ننقل كل الآراء حتى لا يتصور أحد أن مصر كلها ضد الرئيس.


وفى نهاية اليوم الأول تقابلنا "هانى السيد" طالب بالثانوية الذى أكد أن التغيير مطلوب، لأن الوضع الحالى لا يرضى أحد قائلا: "أريد تعليم وحياة مثل الدول المتقدمة، أريد نظافة وفرصة عمل وهى أبسط متطلبات الحياة" وسألناه عن الجماعات الدينية فأجاب: "الحرية مهمة ونحن شعب لديه نزعة دينية بطبيعته ولكن لا أحب أن تكون دولتنا دينية فكلنا مسلمون وأقباط مصريون فى النهاية"، بينما قال "وليد صابر" (29 سنة): "نريد لغة حوار، القوة والبلطجة لم تعد تجدى".


فى المرة الثانية بعد تنحى الرئيس تجولنا بمنطقة السوق ورأينا الباعة الجائلين والمحلات والزحام فى كل مكان وسألنا الناس عن أحلامهم وطموحاتهم بعد تنحى الرئيس ومنهم من عبر عن عدم قبوله للطريقة المهينة التى خرج بها الرئيس على يد "شوية عيال" قائلين: "دا مهما كان بطل الحرب والسلام اللى منع عننا حروب كتير وعيشنا فى أمان".


ومنهم من لم يهتم بالتغيير الذى حدث بسيل التعديلات الدستورية ومحاسبة وزراء لم يراود خيالهم يوما رؤيتهم فى قفص الاتهام.


وقال "محمد عبد الراضى" (29 سنة) يعمل بأحد المحلات التجارية: "مشكلتنا مش الرئيس، مشكلتنا فى النظام والأمن اللى جعلنا نخاف فى بلدنا والرشاوى اللى فى كل مكان" وأضاف: "عايزين مصر جديدة تحترم كرامة ولادها ومستعدين نصبر لحد ما تقف بلدنا على رجليها"، لافتا إلى أن أهم ما يريده أن يستشعر هذا التغيير فى قوت يومه ومعيشته ومعاملة الأمن له.
كما طالب "السيد ناصر" (26 سنة) بإلغاء جهاز أمن الدولة ومحاسبة أى مرتش أو فاسد صغيرا أو كبيرا.


وبعد هاتين الجولتين استخلص زميلى بالنيويورك تايمز عنوانا مقاله "فى منطقة بمصر، المشكلات اليومية تتجاوز الدين"، لافتا إلى أن أزمات البطالة والقمامة والرشاوى والأمن فى إمبابة تتجاوز اهتمام الناس بسيطرة الدين على الدولة بما ينفى مزاعم لطالما استغلها النظام البائد فى ترويع الغرب من احتمال سيطرة الإخوان المسلمين على الحكم فى مصر أو التحول إلى إيران جديدة، واستنتجت بعد هذه الجولة أن مصر فى حاجة إلى ديمقراطية حقيقية بعد توعية المواطنين بأهمية المشاركة فى انتخابات نزيهة حقا ليكون للمواطن الاختيار بين طوائف واتجاهات مختلفة ويكون الفيصل هو الصندوق الانتخابى، مهما كانت النتائج، سواء لصالح الإخوان أو حتى الحزب الوطنى من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق