27‏/3‏/2011

طاقة الاندماج النووي: مستقبلها وتحدياتها

عادة ما تولد الطاقة في المفاعلات النووية عن طريق شطر ذرات عنصر اليورانيوم الثقيلة. ولكن هناك طريقة أخرى تمّكن من اكتساب الطاقة النووية، وهي عكس الطريقة الأولى وتتمثل في دمج الذرات وليس في شطرها. ولهذه الطريقة، التي يستخدم فيها عنصر الهيدروجين، مزايا عديدة: فقضبان الوقود، وهو في هذه الحال غاز الهيدروجين، هي مصدر متوفر في الطبيعة ولا ينتهي، وهذا بعكس عنصر اليورانيوم. كما أن خطر حصول كارثة أو حادث في المفاعل النووي غير وارد، لأن الطاقة المخزنة في المفاعل النووي الذي يدمج ذرات الهيدروجين ضئيلة جداً. ومن مزايا طاقة دمج النوى الذرية أنه لا تنتج عنها مخلفات نووية ضارة، ولا يضطر المرء إلى التخلص من هذه التفايات النووية كما هو الحال في مفاعلات الطاقة التي تشطر نواة ذرات اليورانيوم.
ولكن هنالك مشكلة في توليد الطاقة الناجمة عن دمج الذرات، تتلخص في حقيقة أنه لا يوجد حتى الآن مفاعل للدمج يمكن استخدامه لتوليد الطاقة. ويعود ذلك إلى أن التقنية اللازمة لهذا الأمر معقدة جداً. المفاعل الوحيد القادر على الدمج هو مفاعل تجريبي يُدعى إيتر ITER، وهو أكبر مفاعل دمج تجريبي بناه الإنسان حتى الآن
مصدر طاقة لا ينضب
بدأ العمل بتجارب دمج نوى الهيدروجين في عام 1991، حيث نجح علماء فيزياء بريطانيين في دمج ذرات الهيدروجين وتحويلهاإلى غاز الهيليوم، ولو لمدة قصيرة لا تتجاوز الثانيتين، مستخدمين مفاعلا صغيراً أسموه جِتJET. وعملية الدمج هذه هي عملية كيماوية وفيزيائية معقدة تنتج عنها كمية كبيرة من الطاقة. هذه التجربة الصغيرة أنعشت آمال العلماء وجعلتهم يتطلعون للاستفادة في المستقبل القريب من دمج الذرات واستغلال هذا المصدر الذي لا ينضب للطاقة. وانطلاقاً من هذا التفاؤل شرع العلماء ببناء مفاعل إيتر الأكبر حجماً. ومن المخطط أن يكون بوسع هذا المفاعل التجريبي أن يوّلد 10 أضعاف الطاقة التي يستهلكها. "هذه التجربة ستكون بمثابة الاختبار الحاسم لمبدأ توليد الطاقة بطريقة الاندماج"، كما يقول هارتموت تسوم، وهو عالم فيزياء الاندماج في معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما بالقرب من مدينة ميونخ.
وبمشاركة الإتحاد الأوروبي، واليابان، وروسيا، والصين، وكوريا الجنوبية، والهند والولايات المتحدة الأمريكية بُدئ العمل عام 2005 ببناء مفاعل إيتر في جنوب فرنسا. ويتكون المفاعل من غرفة ضخمة مفرغة من الهواء دائرية الشكل. ومبدأ عمل المفاعل هو أن يتم ضخ مزيج من غاز الهيدروجين إلى داخل هذه الغرفة. هذا الخليط يسيطر عليه مجال مغناطيسي يمنعه من التلامس مع جدران الأنبوب المحيط به. بعد ذلك يتم تسخين غاز الهيدروجين إلى 150 مليون درجة مئوية، فيتحول الهيدروجين بدوره إلى بلازما، وهو ما تيسمى بالحالة الرابعة للمادة. ونظراً لدرجات الحرارة العالية هذه، تندمج نوى الهيدروجين وتتحول إلى هيليوم، منتجة بذلك كميات هائلة من الطاقة.
تكاليف ترتفع وموعد يؤجل
تكاليف هذا المفاعل قُدرت في البدء بخمسة مليارات دولار، وكان من المفروض أن تنتهي أعمال بنائه عام 2018. إلا أن سرعان ما تم تعديل هذا المخطط، حيث تقدر التكاليف الآن بخمسة عشر مليار يورو، ويتوقع المشرفون على المشروع أنه لن يتم البدء بتوليد الطاقة في المفاعل قبل عام 2026. وقد تعددت أسباب هذا التأخير: فالمواد الخام الخاصة واللازمة لبناء المفاعل ارتفع سعرها في الأعوام الأخيرة بشكل كبير، كما أن حسابات التكاليف التي أجريت في المراحل الأولى من المشروع لم تكن دقيقة، كما يقول هارتموت تسام. غير أن المخططين أدركوا الآن أن التقنية أدق وأكثر تعقيدا وتكلفةً مما كانوا يتوقعونه.
ومن أحد أسباب التأخير أيضاً هو إدارة المشروع: فالشركاء السبع في المشروع موزعون في أنحاء مختلفة من العالم، وهذا ما يجعل التنسيق بينهم أمراً صعباً، خصوصاً وأن كلاً من هؤلاء الشركاء يطمح إلى إشراك مصانع محلية في بلده في عملية إنتاج القطع اللازمة لبناء المفاعل. وينتج عن هذا أن عدة مصانع تنتج قطعا من طراز واحد في نفس الوقت، بدل أن ينتجها مصنع واحد موفراً بذلك الجهد والمال. وتفاديا لأن تستمر تكاليف بناء المفاعل بالارتفاع، قام المسؤولون عن المشروع بتعيين فريق إدارة جديد لحل مشكلة تمويل المشروع.
ويدفع هذا التأخير والمشاكل المالية لمفاعل الاندماج النقاد للدعوة إلى التفكير مجددا في مدى جدوى هذا المفاعل، وحسب رأي هاينتس سميتال، وهو خبير في علم الذرة وعضو في منظمة حماية البيئة غرين بيس Greenpeace، فإن "الفكرة من وراء الاندماج النووي هي فكرة مثيرة للاهتمام علمياً، ولكنها ليست لها علاقة بإمدادات الطاقة على أرض الواقع، لأن مفاعل إيتر هو مفاعل تجريبي ونموذج علمي معقد، وليس مفاعلاً نووياً جاهزاً يوفر الطاقة للمستهلك." ولذلك يطالب سميتال بإيقاف المشروع واستثمار المبالغ الضخمة في مشاريع أخرى لتوليد الطاقة من مصادر أخرى رفيقة بالبيئة ومتجددة، مثل المولدات العاملة بالطاقة الشمسية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق